DROIT D HOMME

 

إن الورش الكبير للإصلاحات الذي يهم كل القطاعات، و النهج الذي سطره المغرب في مسار بناء دولة الحق و القانون و المؤسسات، و في حماية حقوق الإنسان، يعبر عن  إصرار المغرب على السير قدما في هذا المجال، و التي حازت على اعتراف بها على المستويين الإفريقي و الدولي، و أضحت نموذجا لمرحلة انتقالية متناسقة وعصرية.

إن النموذج المغربي، الذي أصبح قدوة بفضل العديد من الاعترافات القارية والدولية، يستند على سبع ركائز، تشكل العمود الفقري لمشروع مجتمع ديمقراطي ومتضامن :

انضمام المغرب لأهم الإتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان   

صادق المغرب على سبع اتفاقيات دولية تعتبر الأساسية في ميدان حقوق الإنسان،  بالإضافة إلى بعض بروتوكولاتها :
- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية (13 ماي 1979).

- العهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية، الإجتماعية و الثقافية (3 ماي 1979).

- الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال الميز العنصري (18 دجنبر 1970).

- الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب و غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة(21 يوليوز 1993).

- الاتفاقية الدولية حول القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (21 يونيو 1993)

- الإتفاقية الدولية حول حقوق الطفل (21 يونيو 1993)

- الإتفاقية الدولية لحماية حقوق العمال المهاجرين و أفراد عائلاتهم (21 يونيو 1993)

- البروتوكول الإضافي للاتفاقية الخاصة بحماية حقوق الطفل، المتعلق بوضعية الأطفال في حالات النزاع المسلح(22 مايو2002)

- البروتوكول الإضافي لاتفاقية حقوق الطفل، المتعلق ببيع الأطفال واستغلالهم في الدعارة و الأفلام الإباحية(22 مايو 2002)

- الاتفاقية الدولية الخاصة بحماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة(8 أبريل 2009)

من ناحية أخرى، يعد المغرب من بين الدول الأولى الموقعة على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الإختفاءات القسرية(6 فبراير 2007).

العدالة الانتقالية: هيئة الإنصاف و المصالحة

المسار الغير القضائي لهيئة الإنصاف و المصالحة

يعتبر مسلسل المصالحة مع الماضي عملا شاقا و يتطلب نفسا طويلا، و قد انطلق بالمغرب، منذ سنة 1990، مع إنشاء المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان. و قامت الهيئة الحقوقية المذكورة، التي تم تكليفها بهذه المهمة، بفتح ملف تسوية النزاعات المرتبطة بحقوق الإنسان، و كانت أيضا جهازا يقترح الحلول لسد الثغرات التشريعية في هذا المجال و في توطيد روح و ثقافة حقوق الإنسان.

و يعد المغرب في مجال العدالة الانتقالية من بين الدول السباقة إلى إطلاق هذا المسلسل، و ذلك ضمن إطار لإيجاد تسوية عن طريق البدائل غير القضائية.

و من خلال هذا المنظور، أنشأ صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، في يناير 2004، هيئة الإنصاف و المصالحة، كلجنة وطنية هدفها تحقيق " مصالحة المغاربة مع ماضيهم و معالجة الخروقات و التجاوزات". و كانت هيئة الإنصاف والمصالحة مكلفة، في نطاق اختصاصاتها، بالمهام التالية:

- إجراء التحريات، وتلقي الإفادات، والإطلاع على الأرشيفات الرسمية، واستقاء المعلومات والمعطيات التي توفرها أية جهة، لفائدة الكشف عن الحقيقة، التي تهم حالات انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة  في الفترة الممتدة من سنة 1956 إلى غاية سنة 1999، و خاصة ما يتعلق بالإختفاء القسري والتعسفي؛

- مواصلة البحث بشأن حالات الاختفاء القسري التي لم يعرف مصيرها بعد؛

- بذل كل الجهود للتحري بشأن الوقائع التي لم يتم استجلاؤها؛

- الكشف عن مصير المختفين، مع إيجاد الحلول الملائمة بالنسبة لمن ثبتت وفاتهم؛

- الوقوف على مسؤوليات أجهزة الدولة أو أي طرف آخر في الانتهاكات والوقائع موضوع التحريات؛

- تضمين التقرير النهائي خلاصات الأبحاث والتحريات والتحاليل المجراة بشأن الانتهاكات وسياقاتها.

و قامت هيئة الإنصاف و المصالحة، التي تتكون في عضويتها من معتقلين سابقين مشهود لهم بالكفاءة و الاستقامة الفكرية و التزامهم في مجال حماية حقوق الإنسان، ببحث   و دراسة أزيد من 20.000 ملف لضحايا الإختفاء القسري و الاعتقال التعسفي و التعذيب   و المعاملة السيئة، كما أشرفت أيضا على جلسات الاستماع العمومية لشهادات الضحايا، والتي تم نقلها من قبل التلفزة الوطنية.

بعد الانتهاء من التحقيقات و الاستماع لشهادات الضحايا و إجراء التحريات المعمقة على مدى 18 شهرا، قدمت هيئة الإنصاف و المصالحة، في دجنبر 2005، إلى صاحب الجلالة الملك، نصره الله، تقريرها الختامي.  و مكنت تحريات الهيئة من إجلاء حقيقة 742 حالة بمختلف أنواعها، كما اقتنعت الهيئة بأن مصير 66 حالة من بين الحالات التي تم بحثها تدل كل المؤشرات المتوفرة لديها على أنها حالات اختفاء قسري. لهذا ارتأت الهيئة أن واجب الاستمرار في البحث و التقصي ملقى على عاتق الدولة من أجل تسليط الضوء على هذه الحالات.

و على ضوء هذه النتائج، صاغت هيئة الإنصاف و المصالحة توصيات تركز على أربعة محاور للعمل:

1- دعم حقوق الإنسان، كما هي متعارف عليها دوليا، من خلال الإصلاحات الدستورية و القانونية و التشريعية، و ذلك عبر ترسيخ مبادئ سمو القانون الدولي لحقوق الإنسان على القانون الوطني على مستوى الدستور، والتنصيص دستوريا على منع كل تدخل من طرف السلطة التنفيذية في تنظيم وسير السلطة القضائية، و على حق المتقاضي في الدفع(طلب الاستثناء)، بعدم  دستورية قانون أو تدبير مستقل.

2- إقرار و تطبيق إستراتيجية وطنية لمناهضة الإفلات من العقاب من خلال وضع إستراتيجية وطنية متكاملة، مندمجة ومتعددة الأطراف في هذا المجال، كما تتطلب، إضافة إلى الإصلاحات القضائية، وضع و تطبيق سياسات عمومية في قطاعات العدالة والأمن وحفظ النظام والتربية والتكوين المستمر بمشاركة فاعلة للمجتمع برمته.

3- تعتبر الهيئة أن توطيد دولة القانون يتطلب إضافة إلى ذلك، إصلاحات في مجالات الأمن والعدالة والتشريع والسياسة الجنائية. و تشمل الحكامة الأمنية و تقوية استقلال القضاء، و إعادة تأهيل السياسة والتشريع الجنائيين.

4- آليـات المتابعة من خلال إحداث آليات ومساطر لمتابعة تنفيذ المقررات المتعلقة بالتعويض و جبر الضرر بما فيها التأهيل الصحي والنفسي للضحايا وبرامج جبر الضرر الجماعي؛ و الكشف عن الحقيقة بالنسبة للحالات التي لم يتم استجلاؤها؛ و حفظ أرشيف هيئة الإنصاف والمصالحة والأرشيف العمومي

و هكذا قام تقرير هيئة الإنصاف و المصالحة، بشكل حيادي و موضوعي، بجرد الأوضاع و تقديم الحصيلة فاسحا بذلك طريق مصالحة المغرب مع ماضيه. و أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، في خطابه السامي للأمة يوم 6 يناير 2006، بمناسبة انتهاء مهمة هذه الهيئة: " أن هذه المصالحة الصادقة التي أنجزناها، لا تعني نسيان الماضي، فالتاريخ لا ينسى. وإنما تعتبر بمثابة استجابة لقوله تعالى: "فاصفح الصفح الجميل". وإنه لصفح جماعي، من شأنه أن يشكل دعامة للإصلاح المؤسسي. إصلاح عميق يجعل بلادنا تتحرر من شوائب ماضي الحقوق السياسية والمدنية."

و منذئذ، تم قطع مراحل عديدة ، و بشكل خاص ما يتعلق بصرف التعويضات للضحايا و لذوي الحقوق، و الاستفادة من التغطية الاجتماعية الأساسية و إعادة التأهيل والإدماج في المجتمع.

لقد أعطت هذه المصالحة الأسبقية للحقيقة التاريخية على حساب الحقيقة الجنائية، واعتبرت بشهادة العديد من المراقبين نموذجا مرجعيا في القارة الأفريقية و العالم العربي، و قدوة يمكن اعتمادها من التجارب الأخرى المشابهة في باقي مناطق العالم.

متابعة التوصيات التي نصت عليها الهيئة

قام المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، في 14 يناير 2010، بنشر تقريره حول متابعة و تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف و المصالحة.

 و يحتوي هذا التقرير على مجمل أعمال المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان التي قام بها، منذ سنة 2006، من أجل تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف و المصالحة، كما يعكس الالتزام القوي لكل الأطراف المعنية بتعزيز التجربة المغربية، التي أشاد بها المجتمع الدولي عدة مرات، في مجال العدالة الانتقالية.

إن الهدف الاستراتيجي من نشر هذا التقرير، الذي سيتم إغنائه لاحقا بعدة ملحقات تتضمن الكثير من المعلومات و خاصة لائحة كاملة بأسماء ضحايا الإختفاء القسري التي اشتغلت عليها هيئة الإنصاف و المصالحة، يكمن في التعريف بالإنجازات و التقدم الحاصل في مسار تنفيذ و إعمال توصيات الهيئة، التي يمكن تجميعها في ثلاثة محاور :       
               
كشف الحقيقة :

تابعت لجنة المتابعة، التي أحدثها المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، تحقيقات وتحريات هيئة الإنصاف والمصالحة، و التي مكنت من تحديد أماكن دفن العديد من الأشخاص، ضحايا الانتهاكات الجسيمة السابقة لحقوق الإنسان، و الذين كانوا في عداد المفقودين (و خاصة الحالات المرتبطة بالأحداث الاجتماعية لسنوات 1965 و 1981 بالدار البيضاء، و 1984 بالناظور، و أحداث مارس 1973).

بالإضافة إلى ذلك، كان هناك موضوع 66 حالة، من مجموع 872 ضحايا الاختفاء القسري، التي لم تتمكن هيئة الإنصاف والمصالحة من إجلاء حقيقتها، حيث توصلت لجنة المتابعة إلى تحديد مصير 57 شخصا، باستثناء ما يخص حالة 9 أشخاص، من ضمنهم المهدي بنبركة، و عبد الحق الرويسي، وحسين المانوزي.

جبر الضرر الفردي والجماعي:

تمت معالجة أغلب الملفات التي تهم 25 ألف ضحية أو ذوي الحقوق، و منحت أيضا التغطية الاجتماعية لجميع الضحايا وعائلاتهم، كما قطعت التسوية الإدارية أشواطا مهمة، و تم تسهيل إعادة التأهيل و الاندماج الاجتماعي بواسطة مختلف الآليات، على الرغم من الصعوبات التي اعترضته.

من جهة أخرى، فإن برامج جبر الضرر الجماعي، التي تهم 11 موقعا في مجموع التراب الوطني، و التي تهدف عن طريق مشاريع اجتماعية و برامج تهتم بالحفاظ الايجابي على الذاكرة، قد قطعت مراحل مهمة بفعل الشراكات المثمرة بين الحكومة والسلطات المحلية و التنسيقيات المحلية للمنظمات غير الحكومية( عن طريق تحويل أماكن الاعتقال السابقة إلى مركبات اجتماعية و ثقافية، إقامة مشاريع مدرة للدخل، تعزيز حقوق المرأة .....).

الإصلاحات التشريعية و المؤسساتية

نوّه المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، فيما يخص الانضمام إلى الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، بقرار صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، بالمصادقة على الاتفاقية الدولية الخاصة بحماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، و بسحب التحفظات على الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، المتعلقة بمدونة الأسرة و قانون الجنسية.
وقام المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، في موضوع ملائمة التشريع الوطني مع الالتزامات الدولية للمملكة المغربية، بصياغة مذكرتين تتعلقان بمشروع القانون الجنائي وإصلاح القضاء، إضافة إلى اشتغاله، من أجل إبداء الرأي، حول ثلاثة مواضيع : قانون الصحافة، و قانون المسطرة الجنائية و الحكامة الأمنية.

وعلى صعيد باقي الأوراش الهيكلية، أطلق المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان مسلسلا من أجل إعداد "خطة العمل الوطنية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان"، و"ميثاق حقوق وواجبات المواطن".

التجديد التشريعي: مدونة الأسرة و حقوق المرأة والطفل.

يشكل إصلاح قانون الأسرة، و النهوض بوضعية المرأة، و التكفل بحاجيات الطفل، جوهر التجديد التشريعي الجاري منذ سنوات.

وقد حدد، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، في خطابه السامي يوم 20 غشت 1999، بوضوح أهداف المراجعة العميقة للمقتضيات القانونية في هذا المجال، متسائلا " كيف يتصور بلوغ رقى المجتمع و ازدهاره و النساء اللائي يشكلن زهاء نصفه تهدر مصالحهن في غير مراعاة لما منحهن الدين الحنيف من حقوق هن بها شقائق الرجال تتناسب ورسالتهن السامية في إنصاف لهن مما قد يتعرضن له من حيف أو عنف مع أنهن بلغن مستوى نافسن به الذكور سواء في ميدان العلم أو العمل."

لقد أراد صاحب الجلالة من خلال إنشاء اللجنة الاستشارية، التي ستتكلف بصياغة الاقتراحات في موضوع المراجعة الجوهرية لمدونة الأسرة، إشراك جميع الفاعلين والفعاليات في مشروع الإصلاح العميق، الذي صادق عليه البرلمان بالإجماع يوم 26 يناير 2004.

ويهدف هذا الإصلاح بالأساس إلى:

- تكريس مبدأ المساواة بين المرأة و الرجل بوضع الأسرة تحت المسؤولية المشتركة للزوجين، و السماح للمرأة بالزواج دون إذن مسبق للأب أو الوصي، وبتحديد سن موحد للزواج (18 سنة)، و التنصيص على الطلاق بالتراضي.

- وضع شروط صارمة لتقييد تعدد الزوجات، و خاصة شرط الحصول على إذن مسبق من القاضي، و وجود إمكانية لدى الزوجة لإدراج شرط عدم الزواج من أخرى في عقد زواجها.

- جعل الطلاق، كحل لإنهاء العلاقات الزوجية، حقا يمارسه الزوج و الزوجة، بحسب الشروط القانونية لكل طرف، و تحت المراقبة القضائية، بالإضافة إلى التنصيص على الطلاق بالتراضي و ذلك تحت مراقبة قاض، و على إمكانية توزيع الممتلكات بين الزوجين، التي حصلا عليها معا خلال فترة الزواج.

- الدفاع عن حقوق الطفل من خلال تضمين مدونة الأسرة أحكام و مقتضيات الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، التي صادق عليها المغرب و المتعلقة بحقوق الأطفال، و منح حضانة الطفل للأم ثم للأب و من بعدهما للجدة من جهة الأم، كما نصت المدونة أيضا على الحق في الاعتراف بالأبوة، في غياب توثيق عقد الزوجية لأسباب قاهرة، و على حق الحفيد والحفيدة من جهة الأم في الإرث من جدهم على قدم المساواة مع أحفاده من جهة ابنه.

و تعززت هذه الإصلاحات سنة 2007 بتعديل آخر لا يقل أهمية، و الذي أدخل على قانون الجنسية المغربي، من خلال منح الأم لجنسيتها المغربية لأبنائها من أب أجنبي.

إن هذا التطور يمثل، في بعض جوانبه و تجلياته، ثورة اجتماعية و سياسية حقيقية،  و يضمن للنساء المغربيات المشاركة الفعالة و الكاملة في مجال العمل السياسي والاقتصادي و الاجتماعي، حيث أصبحن يتقلدن أعلى المن
اصب و المسؤوليات في هرم الدولة
diplomatie.ma